اسد حيدر

564

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وكذلك المهدي ، والهادي ، والرشيد لحظوه بالعناية والتقدير ، فتوجهت إليه أنظار الناس ، وازدحموا على بابه ، وانتشرت أقواله في الحجاز وكثر المنتمون لمدرسته ، واستماع الموطأ منه ، ولهذا اختلفت روايات الموطأ لكثرة رواته . وقد حمل مذهب مالك في الحجاز فأظهره القاضي إبراهيم المعروف بابن فرحون « 1 » . كما أن مذهب مالك دخل الأندلس بواسطة زياد بن عبد الرحمن المتوفى سنة 193 ه - وتولى الأمويون نشره هناك ، وتزلف الناس إليهم بقبوله وكان قاضي القضاة يحيى بن يحيى لا يولي قاضيا إلا من كان ينتمي للمذهب المالكي كما كان أبو يوسف بالعراق بالنسبة لمذهب أبي حنيفة . وقد أشرنا من قبل لعوامل انتشار المذاهب أن القضاة هم الذين يتولون نصرة المذهب وانتشاره . والخلاصة : أن الإمام مالك بن أنس قد ارتفع شأنه وعلت منزلته عندما اتجهت إليه الدولة بالعناية بعد محنته وتعذيبه وطلبوا وضع كتاب تقرره الدولة ويحملون الناس عليه بالسيف « 2 » وهو كتاب الموطأ الذي سنتكلم عنه الآن تحت عنوان ( تدوين العلم ) لنرى هل أن مالكا هو أسبق من دوّن في العلم أم غيره ؟ وما هو نصيب الشيعة في تدوين العلم ؟ وما هو أثرهم في نشاط الحركة العلمية ؟ ولا بد لنا قبل الشروع في ذلك من القول : بأننا قد تركنا التعرض لآراء مالك وأقواله ، فإن له آراء في السياسة وأقوال في أمور مختلفة لأن ذلك يستدعي الإطالة في القول والتوسع في البحث . ولكننا سنتكلم حول رأيه في التفضيل فإن له رأيا يكاد ينفرد به عن علماء الإسلام ، وذلك أنه يذهب إلى تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ، ويسكت ، ويقول : هنا يتساوى الناس وهذا أمر غريب وسنبحث هذه المسألة قريبا تحت عنوان مشكلة التفضيل . ومن اللّه التوفيق والسداد .

--> ( 1 ) نيل الابتهاج بهامش الديباج المذهب ص 24 . ( 2 ) الديباج المذهب لابن فرحون ص 25 .